المقالات

أحمد الزرقة يكتب عن: الخليج في قلب حرب ليست حربه والاستنزاف الإيراني واختبار حدود الرد

أحمد الزرقة يكتب عن: الخليج في قلب حرب ليست حربه والاستنزاف الإيراني واختبار حدود الرد

لم يعد الخليج مجرد خلفية جغرافية للحروب التي تدور حوله، بل بات في قلب معادلاتها الاستراتيجية. فالصواريخ والمسيّرات التي تعبر سماءه لا تستهدف بالضرورة مدنه بقدر ما تستهدف موقعه في الاقتصاد العالمي: ممرات الطاقة، ومراكز المال، وقواعد القوة العسكرية. وفي حرب تتداخل فيها الجغرافيا بالاقتصاد والسياسة، يجد الخليج نفسه أمام معادلة صعبة: صراع لم يكن طرفًا في قراره، لكنه يتحمل جانبًا متزايدًا من كلفته.

خلاصة تنفيذية

تواجه دول الخليج معادلةً أمنية بالغة التعقيد: فهي ليست طرفًا في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، غير أنها تتحمّل جزءًا متصاعدًا من كلفتها. تعتمد طهران استراتيجية استنزاف تدريجية تقوم على استهداف المنطقة بصواريخ ومسيّرات متكررة دون بلوغ عتبة التصعيد الشامل، رهانًا على أن الخليج لن يُقدم على الانخراط العسكري المباشر.

تنطوي هذه الاستراتيجية على ثلاثة مخاطر متراكمة: ضغط اقتصادي متصاعد يطال التأمين والتجارة والطيران، وهشاشة في سلاسل الأمن الغذائي المرتبطة بالممرات البحرية، وتآكل تدريجي محتمل في فاعلية منظومات الدفاع الجوي أمام هجمات منخفضة التكلفة ومتواصلة.

يبقى الموقف الخليجي مائلًا نحو الاحتواء، لكنه مشروط بثلاثة خطوط حمراء: استهداف منشآت الطاقة الكبرى، أو وقوع خسائر بشرية فادحة في المدن، أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. تجاوز أي منها قد يعيد رسم المشهد الإقليمي بالكامل.

الخليج في قلب حرب الآخرين

حين اندلعت المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يكن متوقعًا أن تتحول مدن الخليج إلى إحدى أكثر ساحات الحرب حساسية. فدول المنطقة لم تكن طرفًا مباشرًا في قرار الحرب؛ بل كانت خلال العام الماضي تسعى إلى العكس تمامًا: تهدئة التوتر بين واشنطن وطهران ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة واسعة.

غير أن الجغرافيا السياسية كثيرًا ما تتجاوز الحسابات الدبلوماسية. فحين تدور حرب كبرى حول الطاقة والممرات البحرية والقواعد العسكرية، يجد الخليج نفسه بحكم موقعه في قلب المعادلة، شاء ذلك أم أبى.

وهذا ما يفسّر وقوع مدن مثل دبي والرياض والدوحة تحت وطأة الصواريخ والطائرات المسيّرة. فبالنسبة إلى طهران، لا يمثّل الخليج هدفًا في حد ذاته بقدر ما يمثّل ساحة للضغط الاستراتيجي على الولايات المتحدة وحلفائها. فالقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، إضافة إلى الدور المحوري لدول الخليج في أسواق الطاقة العالمية، يجعل أي اضطراب أمني هنا قادرًا على نقل جزء وازن من كلفة الحرب إلى خصوم إيران.

الملاحظ في نمط الهجمات الإيرانية أنها لا تستهدف تدميرًا واسعًا بقدر ما تسير وفق سياسة استنزاف تدريجية. فبدلًا من الضربة الكبرى التي قد تجرّ المنطقة إلى مواجهة شاملة، تتكرر الهجمات في صورة صواريخ محدودة العدد أو موجات من المسيّرات منخفضة التكلفة.

وقد كشفت بيانات شركات التأمين البحري عن ارتفاع ملحوظ في أقساط تغطية السفن العاملة في مياه الخليج منذ تصاعد الهجمات، فيما أفادت عدة شركات طيران دولية بتعديل مساراتها أو تعليق رحلاتها مؤقتًا فوق أجزاء من المنطقة. وحتى حين تبدو الأضرار المادية المباشرة محدودة، فإن التأثير الأعمق يظهر في حالة الإنذار المستمر التي تُكبّد الاقتصادات تكاليف غير مرئية: تباطؤ في قرارات الاستثمار، وارتفاع في كلفة الشحن، وإعادة تقييم من قبل الشركات متعددة الجنسيات لحجم حضورها الإقليمي.

لقد قامت اقتصادات الخليج خلال العقدين الماضيين على معادلة واضحة: مدن آمنة، مراكز مالية نشطة، وممرات تجارية مستقرة. ومع دخول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى المشهد الأمني، باتت هذه المعادلة تتعرض لضغوط متصاعدة. ومن هنا يبرز السؤال المحوري: إلى أي مدى تستطيع دول الخليج تحمّل هذا النوع من الحرب لفترة مطوّلة؟

حسابات طهران

في قراءة سلوك إيران خلال هذه الحرب يتضح أن استهداف الخليج يقوم على معادلة دقيقة تجمع بين الضغط والاستنزاف من جهة وتفادي التصعيد الشامل من جهة أخرى.

تُدرك طهران طبيعة الحسابات السياسية لدول الخليج؛ فهي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الاستقرار الاقتصادي والانفتاح التجاري وتميل إلى تجنب الانزلاق إلى حروب مباشرة قد تهدد هذا الاستقرار. كما أن ارتباط هذه الدول بعلاقات أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة يجعل قرار الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران قرارًا بالغ التعقيد.

وفي ضوء ذلك يبدو أن إيران تراهن على أن الرد الخليجي سيبقى في حدود الدفاع والاحتواء لا في اتجاه فتح جبهة مواجهة واسعة.

لكن هذا الرهان ليس الهدف الوحيد. فالهجمات تحمل أيضًا رسالة واضحة إلى واشنطن مفادها أن الحرب على إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها. فالضغط على الخليج يعني الضغط على أسواق الطاقة العالمية وعلى المصالح الاقتصادية لحلفاء الولايات المتحدة. وكلما ارتفعت أقساط التأمين واضطربت حركة الملاحة، تصاعدت الضغوط الدولية للتوصل إلى تسوية، وبهذا المعنى يتحول الخليج إلى ساحة لرفع الكلفة الاستراتيجية للصراع.

لماذا يظهر الخليج في بنك الأهداف؟

إذا كانت المواجهة الأساسية تدور بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، فلماذا يظهر الخليج ضمن بنك الأهداف؟

يرتبط الجواب بطبيعة ميزان القوة في الصراع. فالمواجهة المباشرة والمستمرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة تحمل مخاطر تصعيد يصعب التحكم فيها. لذلك تميل الاستراتيجية الإيرانية إلى نقل جزء من المعركة إلى ساحات أخرى يمكن من خلالها تحقيق تأثير استراتيجي بكلفة أقل.

ويمثل الخليج إحدى هذه الساحات. فهنا تتقاطع القواعد العسكرية الأمريكية مع الممرات البحرية الحيوية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية. كما أن اقتصادات المنطقة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار والانفتاح التجاري.

أي اضطراب في هذه البيئة ينعكس سريعًا على الأسواق العالمية. ولذلك لا يظهر الخليج هدفًا مباشرًا للحرب بقدر ما يتحول إلى وسيلة ضغط في الصراع.

ديناميكيات الاستنزاف

يكشف النمط ال

You May Also Like